فصل: سجود التلاوة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: شفاء الغليل في حل مقفل خليل



.سجود التلاوة:

سَجَدَ بِشَرْطِ الصَّلاةِ بِلا إِحْرَامٍ وسَلامٍ، قَارِئٌ ومُسْتَمِعٌ فِقِطْ إُنْ جِلِسِ لُيِتِعِلَّمَ، ولَوْ تَرَكَ الْقَارِئُ إِنْ صَلَحَ لِيَؤُمَّ، ولَمْ يَجْلِسْ لِيُسْمِعَ فِي إِحْدَى عَشَرَةَ، لا ثَانِيَةِ: (الْحَجِّ) و(النَّجْمِ) و(الانْشِقَاقِ) و(الْقَلَمِ).
وهَلْ سُنَّةٌ أَوْ فَضِيلَةٌ؟ خِلافٌ، وكَبَّرَ لِخَفْضٍ ورَفْعٍ ولَوْ بِغَيْرِ صَلاةٍ، و(ص) {وَأَنَابَ} و(فُصِّلَتْ) {تَعْبُدُونَ}.
الشرح:
قوله (سَجَدَ بِشَرْطِ الصَّلاةِ بِلا إِحْرَامٍ وسَلامٍ قَارِئٌ ومُسْتَمِعٌ فِقِطْ) احترز بقوله: (فقط) من السامع غير المستمع، فهو كقول ابن عبد السلام: إنما يسجد المستمع لا السامع، وقول ابن عسكر فِي "الإرشاد": ويسجد المستمع كالتالي لا السامع.

متن الخليل:
وكُرِهَ سُجُودُ شُكْرٍ، أَوْ زَلْزَلَةٍ، وجَهْرٌ بِهَا بِمَسْجِدٍ، وقِرَاءَةٌ بِتَلْحِينٍ كَجَمَاعَةٍ.
الشرح:
قوله (وجَهْرٌ بِهَا بِمَسْجِدٍ) ظاهره أنه يكره الجهر بالسجدة فِي المسجد، ولَمْ أقف عَلَى هذا منصوصاً لغيره، ولو كان هذا الكلام مؤخراً عن قوله: (وقِرَاءَةٌ بِتَلْحِينٍ) لأمكن أن يكون الضمير فِي قوله: "بها" عائد عَلَى القراءة، ويكون أشار به لما فِي رسم سلعة سمّاها من سماع ابن القاسم ونصّه: "وسئل عن القراءة فِي المسجد؟ فقال: لَمْ يكن بالأمر القديم، وإنما هو شيء أحدث لَمْ يكن، ولَمْ يأت آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عَلَيْهِ أوّلها، والقرآن حسن.
قال ابن رشد: يريد التزام القراءة فِي المسجد بإثر صلاة من الصلوات أو عَلَى وجه ما مخصوص، حتى يصير ذلك كأنه سنة، مثل ما يفعل بجامع قرطبة إثر صلاة الصبح؟ فرأى ذلك بدعة، وأما القراءة عَلَى غير هذا الوجه فلا بأس بها فِي المسجد، ولا وجه لكراهتها، وقد قال فِي آخر رسم المحرم من هذا السماع: ما يعجبني أن يقرأ القرآن إلاّ فِي الصلاة والمساجد لا فِي الأسواق والطرق. ويأتي ما يشبه هذا المعنى فِي رسم سن من هذا السماع وفِي رسمٍ لَمْ يدرك من سماع عيسى. انتهى.
وفي حمل كلام المصنف عَلَيْهِ بُعد من وجوهٍ لا تخفى، أو أشار به لما فِي سماع أشهب من طرد سعيد بن المسيب عمر بن عبد العزيز، وفيه احتمال آخر نذكره فِي التي بعدها. إن شاء الله تعالى.

متن الخليل:
وجُلُوسٌ لَهَا لا لِتَعْلِيمٍ، وأُقِيمَ الْقَارِئُ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ خَمِيسٍ أَوْ غَيْرِهِ، وفِي كُرْهِ قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ رِوَايَتَانِ، واجْتِمَاعٌ لِدُعَاءٍ يَوْمَ عَرَفَةَ، ومُجَاوَزَتْهَا لِمُتَطَهِّرٍ وَقْتَ جَوَازٍ، وإِلا فَهَلْ يُجَاوِزُ مَحَلَّهَا أَوِ الآيَةِ؟ تَأْوِيلانِ، واقْتِصَارٌ عَلَيْهَا، وأُوِّلَ بِالْكَلِمَةِ، والآيَةِ قَالَ وهُوَالأَشْبَهُ، وتَعَمُّدُهَا بِفَرِيضَةٍ أَوْ خُطْبَةٍ لا نَفْلٍ مُطْلَقاً، وإِنْ قَرَأَ فِي فَرْضٍ سَجَدَ، لا خُطْبَةٍ، وجَهَرَ إِمَامُ السِّرِّيَّةِ وإِلا اتُّبِعَ، ومُجَاوِزُهَا بِيَسِيرٍ يَسْجُدُ. وبِكَثِيرٍ يُعِيدُهَا بِالْفَرْضِ مَا لَمْ يَنْحَنِ وبِالنَّفْلِ فِي ثَانِيَةٍ، فَفِي فِعْلِهَا قَبْلَ الْفَاتِحَةِ قَوْلانِ. وإِنْ قَصَدَهَا فَرَكَعَ سَهْواً، اعْتُدَّ بِهِ، ولا سَهْوَبِخِلافِ تَكْرِيرِهَا أَوْ سُجُودٍ قَبْلَهَا سَهْواً، قَالَ وأَصْلُ الْمَذْهَبِ تَكْرِيرُهُ، إِنْ كَرَّرَ حِزْباً إِلا الْمُعَلِّمَ والْمُتَعَلِّمَ فَأَوَّلَ مَرَّةٍ.
الشرح:
قوله: (وجُلُوسٌ لَهَا لا لِتَعْلِيمٍ) ينبغي أن يكون شاملاً لجلوس المستمع إليه لا يريد وجلوس القاريء، فقد نصّ عَلَى كراهتهما معاً فِي "المدوّنة" فقال: وكره مالك أن يجلس تعليماً، ويكره أن يجلس الرجل متعمداً لقراءة القرآن، وسجوده لا يريد تعليماً، ومن قعد إليه فعلم أنه يريد قراءة سجدة قام عنه.
فإن قلت: قوله: (لا لِتَعْلِيمٍ) بإسكان العين وكسر اللام الممدودة، يعين أنه أراد القاريء، ولو أراد المستمع لقال لا لتعَلُّم بفتح العين وضم اللام المشددة؛ لما تقرر فِي التصريف أنك تقول: علمه تعليماً فتعلّم تعلّماً، فالتعلم مطاوع التعليم.
قلت: هذا هو الأصل عند أهل اللسان، ولكن الفقهاء يتوسعون فِي الاستعمال، ألا تراه فِي النصّ الذي قدمناه عن "المدوّنة" عبّر فيهما معاً بالتعليم، ساكن العين مكسور اللام الممدودة، كما هي عبارة المصنف التي حكمنا بشمولها، وذلك فِيهَا أسهل؛ لإمكان أن يدعي فِيهَا التغليب، وقد يمكن أن يكون أراد هنا جلوس المستمع فقط، وعبّر عن جلوس القاريء لهذا القصد بقوله قبله: (وجَهْرٌ بِهَا بِمَسْجِدٍ) فتأمله.

متن الخليل:
ونُدِبَ لِسَاجِدِ الأَعْرَافِ قِرَاءَةٌ قَبْلَ رُكُوعِهِ، ولا يَكْفِي عَنْهَا رُكُوعٌ.
الشرح:
قوله: (ولا يَكْفِي عَنْهَا رُكُوعٌ) هو كقوله فِي "المدوّنة": ولا يركع بها فِي صلاة ولا غيرها.
ابن يونس؛ لأنه إن قصد بها الركعة فلم يسجدها، وإن قصد بها السجدة فقد أحالها عن صفتها، وذلك غير جائزٍ. انتهى، وحكى ابن رشد فِي رسم لَمْ يدرك من سماع عيسى: أن ابن حبيب يقول: إن الركعة التي ركعها لصلاته تجزيء من السجدة قال: وعَلَى مذهبه فِي "المدوّنة" لا يجزءه ركوعه للصلاة عن السجدة، فهو بمنزلة من ترك سجود السجدة يقرؤها فِي الركعة الثانية فِي النافلة دون الفريضة. انتهى.
وقال المازري: نحى ابن حبيب لجواز ركوعه لصلاته به، والمعروف منعه، ولعله رأى سجود الصلاة يغني عنه كالجنابة عن الجمعة، انتهى باختصار.
ابن عرفة: وفِي "الذخيرة": وإن قصد بالركوع السجدة لَمْ تحصل؛ لأنه غيّر هيئتها، وأشار ابن حبيب إِلَى جواز ذلك. انتهى. والتحرير ما قدمناه عن المازري. والله تعالى أعلم.

متن الخليل:
وإِنْ تَرَكَهَا وقَصَدَهُ، صَحَّ وكُرِهَ.
الشرح:
قوله (وإِنْ تَرَكَهَا وَقَصَدَهُ، صَحَّ وكُرِهَ) زاد اللخمي: إن لَمْ يسجد الإمام لَمْ يسجد مأمومه.

متن الخليل:
وسَهْواً اعْتُدَّ بِهِ عِنْدَ مَالِكٍ، لا ابْنِ الْقَاسِمِ، فَيَسْجُدُ إِنِ اطْمَأَنَّ بِهِ.
الشرح:
قوله (وسَهْواً اعْتُدَّ بِهِ عِنْدَ مَالِكٍ، لا ابْنِ الْقَاسِمِ) هذا ركع ساهياً عن السجدة من أول وهلة، بخلاف الذي تقدّم فِي قوله: (وَإِنْ قَصَدَهَا فَرَكَعَ سَهْواً اعْتُدَّ بِهِ)؛ فإنه إنما انحطّ للسجدة، فلما وصل إِلَى حدّ الركوع أدركه السهو فبقي هناك راكعاً فهما مفترقان فِي الصورة، وذلك ظاهر من لفظه، وأما الحكم فالذي صوّبه ابن يونس: أن الذي يجري فِي هذه من الخلاف يجري فِي الأخرى إلاّ أن المصنف كما تراه حكى القولين فِي هذه واقتصر فِي الأولى عَلَى الاعتداد.
وقد حصّل اللخمي فِيهَا ثلاثة أقوال فقال فيمن نسي سجود التلاوة فِي نفلٍ: قال مالك فِي "العتبية": إِذَا ذكر وهو راكع يمضي عَلَى ركوعه ولا يسجد، وكذلك لو انحطّ ليسجد فنسي فركع فإنه يرفع للركوع وتجزئه الركعة.
وقال أشهب: ينحطُّ للسجود وإن كانت نيته فِي حال انحطاطه للركوع.
وقال ابن القاسم: إِذَا كانت نيته للسجود فإنه يخرّ ساجداً؛ لأن ركعته تلك لا تجزيء عنه، ولو رفع منها، يريد بخلاف من كانت نيته من أول الركوع، فإنه يمضي لتمامها، والقول أنه إِذَا كانت نيته للركوع يمضي لها أحسن؛ لأنه تلبّس بفرض فلا يسقطه لنفل، ولَمْ يختلفوا فيمن نسي الجلوس حتى تلبّس بالفرض وهو القيام أنه لا يرجع منه إِلَى الجلوس، والجلوس سنة مؤكدة تفسد الصلاة بتعمد تركه فِي المشهور من المذهب فناسي السجدة أولى، وأما إِذَا كانت نيته فِي الانحطاط للسجدة فإن مالكاً ذهب إِلَى أن الفرض أن يوجد راكعاً، فتماديه عَلَيْهِ بنية الامتثال للركوع يجزيء عنه، وذهب ابن القاسم إِلَى أن الانحطاط للركوع فرض فِي نفسه، فلم يجز عنه الانحطاط بنية السجود؛ لأنه لنفلٍ فلا يجزء عن فرض. انتهى.
فلو عكس المصنف لكان قد سلك طريقة اللخمي، إذ رجّح فِي قاصد الركوع الإمضاء، ولَمْ يرجّح فِي قاصد السجدة واحداً من القولين، كما تراه وطريقة اللخمي هذه تنحو لما ذكر ابن يونس عن أبي محمد بن أبي زيد. والله تعالى أعلم.

.فصل فِي صلاة النافلة:

نُدِبَ نَفْلٌ وتَأَكَّدَ بَعْدَ مَغْرِبٍ كَظُهْرٍ، وقَبْلَهَا كَعَصْرٍ بِلا حَدٍّ، والضُّحَى وسِرٌّ بِهِ نَهَاراً، وجَهْرٌ لَيْلاً، وتَأَكَّدَ بِوِتْرٍ، وتَحِيَّةِ مَسْجِدٍ، وجَازَ تَرْكُ مَارٍّ، وتَأَدَّتْ بِفَرْضٍ، وبَدْءٌ بِهَا بِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ قَبْلَ السَّلامِ عَلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وآلِهِ وإِيقَاعُ نَفْلٍ بِهِ بِمُصَلاهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والْفَرْضُ بِالصَّفِّ الأَوَّلِ وتَحِيَّةُ مَسْجِدِ مَكَّةَ الطَّوَافُ، وتَرَاوِيحُ، وانْفِرَادٌ بِهَا إِنْ لَمْ تُعَطَّلِ الْمَسَاجِدُ، والْخَتْمُ فِيهَا، وسُورَةٌ تُجْزِئُ، ثَلَاثٌ وعِشْرُونَ، ثُمَّ جُعِلَتْ سِتًّا وثَلَاثِينَ، وخَفَّفَ مَسْبُوقُهَا ثَانِيَتَهُ ولَحِقَ.
الشرح:
قوله: (وإِيقَاعُ نَفْلٍ بِهِ بِمُصَلاهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والْفَرْضُ بِالصَّفِّ الأَوَّلِ) أي: بالصف الأول من مسجده عَلَيْهِ السلام، وكذا هي المسألة لمالك فِي رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم، قال ابن القاسم: مصلاه عَلَيْهِ السلام هو العمود المخلق.
قال ابن رشد: هذا خلاف قول مالك فِي "الجامع": أن العمود المخلق ليس هو قبلة النبي عَلَيْهِ السلام، ولكنه أقرب العمد إِلَى مصلاه - صلى الله عليه وسلم -، والأصل فِي النفل حديث عتبان بن مالك، حيث صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ببيته مرة واحدة؛ ليتخذه مصلى، فمحل مواظبته عَلَيْهِ السلام أفضل، والأصل فِي الفرض نصّه عَلَيْهِ السلام عَلَى فضل الصفّ الأول، فهو أولى مما علم فضله بالدليل.
ابن عرفة: فِي قوله فِي الفرض نظر؛ لأن فضل مسجده - صلى الله عليه وسلم - أفضل من الصفّ الأول فِي غيره. انتهى. كأنه يعني أن ما زيد فيه خارج عنه.

متن الخليل:
وقِرَاءَةُ شَفْعٍ بِسَبِّحْ، والْكَافِرُونَ، ووِتْرٍ بِإِخْلاصٍ ومَعُوذَتَيْنِ إِلا لِمَنْ لَهُ حِزْبٌ، فَمِنْهُ فِيهِمَا، وفِعْلُهُ لِمُنْتَبِهٍ آخِرَ اللَّيْلِ.
الشرح:
قوله: (وقِرَاءَةُ شَفْعٍ بِسَبِّحْ، والْكَافِرُونَ، ووِتْرٍ بِإِخْلاصٍ، ومَعُوذَتَيْنِ إِلا لِمَنْ لَهُ حِزْبٌ، فَمِنْهُ فِيهِمَا) أي: فِي الشفع والوتر، وبالوقوف عَلَى نقول الأئمة يظهر لك ما اعتمده المصنف فيهما، أمّا الشفع فحصّل ابن عرفة فيه ثلاثة أقوال:
الأول: التزام السورتين لمالك فِي كتاب ابن شعبان، وحكاه عياض عن بعض القرويين.
الثاني: ما تيسّر. لمالك فِي "المجموعة".
الثالث: إن كان بعد تهجّدٍ فما تيّسر، وإن اقتصر عَلَيْهِ فالسورتان، وبه قيّد الباجي قول مالك فِي "المجموعة"، وبه فسّر عياض المذهب.
ونحوه للمازري، فإنه قال فِي "شرح التلقين": وقد كنت فِي سنّ الحداثة، وعمري عشرون عاماً وقع فِي نفسي أن القراءة فِي الشفع لا يستحبّ تعيينها إِذَا كانت عقب تهجّد، وأن الاستحباب إنما يتوجّه فِي حقّ من اقتصر عَلَى شفع الوتر، فأمرت من يصلّي التراويح فِي رمضان أن يوتر عقب فراغه من عدد الأشفاع، ويأتي بجميع العدد مقروناً بجزئه الذي يقوم به ويوتر عقبه؛ فتمالأ الأشياخ المفتون حينئذ بالبلد عَلَى إنكار ذلك، واجتمعوا بالقاضي، وكان ممن يقرأ عليّ ويصرف الفتيا فيما يحكم به إليّ، وسألوه أن يمنع من ذلك، فأبي عليهم إلا أن يجتمعوا لمناظرتي عَلَى المسألة، فأبوا؛ فأبى، ثم اتسع الأمر، وصارت مساجدنا يفعل ذلك فِيهَا، فخفت اندراس ركعتي الشفع عند العوام إن لَمْ تخصّ فِي رمضان بقراءة، فرجعت إِلَى المألوف، ثم بعد زمانٍ طويلٍ رأيت أبا الوليد الباجي أشار إِلَى الطريق التي كنت سلكت من التفصيل بين من كان وتره واحدة عقب صلاة الليل، ومن لَمْ يوتر إلا عقب الشفع، اللهم إلا أن يكون أراد قيام المتهجدين فِي غير رمضان؛ لأن رمضان يجتمع الناس فيه عَلَى النفل، ويتبع فيه فعل السلف فِي الاقتصار عَلَى عدد معلوم، فيكون مخالفاً لما سواه من قيام الليل، فقد يمكن أن يقصد إِلَى ذلك. انتهى.
واعترضه ابن عرفة فقال: إنما قال ذلك الباجي تقييداً لرواية ابن عبدوس لا تفسيراً للمذهب، بل تعليلاً لمخالفة رواية التعيين، ولو ناظروه حجّوه: إما باعتبار المذهب، فرواية التعيين أولى؛ لما تقرر من دليل ردّ المطلق للمقيد، وإما باعتبار الدليل؛ فلحديث أبيٍّ أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر بثلاث ركعات يقرأ فِي الأولى بـ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى:1] وفِي الثانية بـ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] وفي الثالثة بـ: {قُلْ هُوَاللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:1]، والمعلوم منه - صلى الله عليه وسلم - التهجد. انتهى.
قلت: لعلّ ابن عرفة لَمْ يقف عَلَى جميع كلام المازري، وإلا فقد أورد المازري نحو هذا بنفسه عَلَى نفسه بعد كلامه الذي قدّمناه.
وأما الوتر فقال فِي "المدوّنة": كان مالك يقرأ فِيهَا بأم القرآن و {قُلْ هُوَاللَّهُ أَحَدٌ} والمعوذتين، ولا يفتي الناس بذلك.
وقال اللخمي وابن يونس قال مالك فِي المجموعة: إن الناس ليلتزمون فِي الوتر قراءة: {قُلْ هُوَاللَّهُ أَحَدٌ} والمعوذتين وما ذلك بلازم وإنّي لا أفعله.
قلت: وقول ابن عرفة: قال اللخمي: رجع مالك لقراءة الوتر بالفاتحة والإخلاص والمعوذتين وهم إنما قال اللخمي: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقرأ فِي الأولى بـ: سبّح، وفِي الثانية بـ: الكافرون، وفِي الثالثة بـ: الإخلاص، وروي أنه كان يقرأ فِي الأخرة بالإخلاص والمعوذتين، وبهذا أخذ مالك فِي الأخيرة،وروي عنه فِي "مختصر" ابن شعبان أنه كان يقرأ فِي الأولى والثانية بمثل ما فِي الحديث الأول، ففهم ابن عرفة أن رواية ابن شعبان مرجوع عنها، ولا يحسن أن يفهم الرجوع من قوله: (فِي الأخرة)، فليس مراده فِي الرواية الأخرة كما سبق لفهم بعضهم، وإنما مراده فِي الركعة الأخرة.
قال: وروى يحيي بن اسحاق عن يحيي بن عمر لا تختص الوتر بقراءة، وقال ابن العربي فِي "عارضة الأحوذي فِي شرح الترمذي": يقرأ المتهجد فِي الوتر من تمام حزبه، وغيره بـ: {قُلْ هُوَاللَّهُ أَحَدٌ} فقط؛ لحديث الترمذي وهو أصحّ من حديث قراءته بها مَعَ المعوذتين، وانتهت الغفلة بقومٍ يصلّون التراويح فإِذَا انتهوا للوتر قرأوا فيه بـ: {قُلْ هُوَاللَّهُ أَحَدٌ} والمعوذتين. انتهى.
قلت: وفِي ترجمة محمد بن الخطاب من "الغنية" لعياض، حديث مسلسل بقراءة الإخلاص فِي كلّ ركعة من الشفع كل واحد من رواته يقول: ما تركته منذ سمعته، حتى انتهت الرواية لعياض فقال مثل ذلك، وذكره أَيْضاً ولد عياض فِي مناقب أبيه.

متن الخليل:
ولَمْ يُعِدْهُ مُقَدِّمٌ، ثُمَّ صَلَّى، وجَازَ،، إِلا لاقْتِدَاءٍ بِوَاصِلٍ، وكُرِهَ وَصْلُهُ، ووِتْرٌ بِوَاحِدَةٍ وقِرَاءَةُ ثَانٍ مِنْ غَيْرِ انْتِهَاءِ الأَوَّلِ، ونَظَرٌ بِمُصْحَفٍ فِي فَرْضٍ، وأَثْنَاءَ نَفْلٍ، لا أَوَّلَهُ، وجَمْعٌ كَثِيرٌ لِنَفْلٍ، أَوْ بِمَكَانٍ مُشْتَهَرٍ، وإِلا فَلا، وكَلامٌ بَعْدَ صُبْحٍ لِقُرْبِ الطُّلُوعِ، لا بَعْدَ الْفَجْرِ، وضِجْعَةٌ بَيْنَ صُبْحٍ، ورَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، والْوِتْرُ سُنَّةٌ آكِدُ، ثُمَّ عِيدٌ، ثُمَّ كُسُوفٌ ثُمَّ اسْتِسْقَاءٌ، ووَقْتُهُ بَعْدَ عِشَاءٍ صَحِيحَةٍ، وشَفَقٌ لِلْفَجْرِ، وضَرُورِيِّةٌ لِلصُّبْحِ، ونُدِبَ قَطْعُهَا لَهُ لِفَذٍّ، لا مُؤْتَمٍّ، وفِي الإِمَامِ رِوَايَتَانِ، وإِنْ لَمْ يَتَّسِعِ الْوَقْتُ إِلا لِرَكْعَتَيْنِ تَرَكَهُ، لا لِثَلاثٍ ولِخَمْسٍ صَلَّى الشَّفْعَ ولَوْ قَدَّمَ، ولِسَبْعٍ زَادَ الْفَجْرَ، وهِيَ رَغِيبَةٌ تَفْتَقِرُ لِنِيَّةٍ تَخُصُّهَا، ولا تُجْزِئُ إِنْ تَبَيَّنَ تَقَدُّمُ إِحْرَامِهَا لِلْفَجْرِ ولَوْ بِتَحَرٍّ، ونُدِبَ الاقْتِصَارُ عَلَى الْفَاتِحَةِ.
وإِيقَاعُهَا بِمَسْجِدٍ، ونَابَتْ عَنِ التَّحِيَّةِ، وإِنْ فَعَلَهَا بِبَيْتِهِ لَمْ يَرْكَعْ ولا يَقْضِي غَيْرَ فَرْضٍ، إِلا هِيَ فَلِلزَّوَالِ، وإِنْ أُقِيمَتِ الصُّبْحُ وهُوَبِمَسْجِدٍ تَرَكَهَا، وخَارِجُهُ رَكَعَهَا، إِنْ لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ رَكْعَةٍ، وهَلِ الأَفْضَلُ كَثْرَةُ السُّجُودِ أَوْ طُولُ الْقِيَامِ؟ قَوْلانِ.
الشرح:
قوله (ولَمْ يُعِدْهُ مُقَدِّمٌ، ثُمَّ صَلَّى) عطف هنا عَلَى اسم شبه فعل فعلاً ماضياً عَلَى حدّ قوله جلّ وعلا: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا} [العاديات: 1- 4]، وفِي عطفه بـ: ثمّ إشارة لقوله فِي الصلاة الأول من "المدوّنة": ومن أوتر فِي المسجد ثمّ أراد أن يتنفل بعده تربّص قليلاً، وإن انصرف بعد وتره إِلَى بيته تنفّل ما أحبّ.

متن الخليل:
وَعَقِبَ شَفْعٍ مُنْفَصِلٍ بِسَلامٍ.
الشرح:
قوله: (وعَقِبَ شَفْعٍ) عطف عَلَى قوله: (آخر الليل).

.فصل فِي صلاة الجماعة:

الْجَمَاعَةُ بِفَرْضٍ، غَيْرِ جُمُعَةٍ سُنَّةٌ ولا تَتَفَاضَلُ، وإِنَّمَا يَحْصُلُ فَضْلُهَا بِرَكْعَةٍ، ونُدِبَ لِمَنْ لَمْ يُحَصِّلْهُ كَمُصَلٍّ بِصَبِيٍّ إِلا امْرَأَةٍ أَنْ يُعِيدَ مُفَوِّضاً مَأْمُوماً، ولَوْ مَعَ وَاحِدٍ، غَيْرَ مَغْرِبٍ كَعِشَاءٍ بَعْدَ وَتْرٍ وإِنْ أَعَادَ ولَمْ يَعْقِدْ رَكْعَةً قَطَعَ، وإِلا شَفَعَ.
الشرح:
قوله: (ولَوْ مَعَ وَاحِدٍ) عوّل فِي الإعادة مَعَ الواحد غير الإمام الراتب عَلَى "صاحب اللباب" وابن عبد السلام، وما كان ينبغي له ذلك؛ فإن الحُفّاظ لَمْ يجدوه فِي المذهب حتى انتقد عَلَى ابن الحاجب جعْله مقابل الأَصَحّ، فقال ابن عرفة: ونقْل ابن الحاجب تعاد مَعَ واحد، لا أعرفه.

متن الخليل:
وإِنْ أَتَمَّ ولَوْ سَلَّمَ أَتَى بِرَابِعَةٍ إِنْ قَرُبَ، وأَعَادَ مُؤْتَمٌّ بِمُعِيدٍ أَبَداً أَفْذَاذاً.
الشرح:
قوله (وَإِنْ أَتَمَّ ولَوْ سَلَّمَ أَتَى بِرَابِعَةٍ) جواب (إن) هو (أتى) و(لو) إغياء.

متن الخليل:
وَإِنْ تَبَيَّنَ عَدَمُ الأُولَى أَوْ فَسَادُهَا أَجْزَأَتْ، ولا يُطَالُ رُكُوعٌ لِدَاخِلٍ، والإِمَامُ الرَّاتِبُ كَجَمَاعَةٍ، ولا تُبْتَدَأُ صَلاةٌ بَعْدَ الإِقَامَةِ، وإِنْ أُقِيمَتْ وهُوَفِي صَلاةٍ قَطَعَ، إِنْ خَشِيَ فَوَاتَ رَكْعَةٍ، وإِلا أَتَمَّ النَّافِلَةَ أَوْ فَرِيضَةً غَيْرَهَا وإِلا انْصَرَفَ فِي الثَّالِثَةِ عَنْ شَفْعٍ كَالأُولَى إِنْ عَقَدَهَا، والْقَطْعُ بِسَلامٍ أَوْ مُنَافٍ وإِلا أَعَادَ، وإِنْ أُقِيمَتْ بِمَسْجِدٍ عَلَى مُحَصِّلِ الْفَضْلِ، وهُوَبِهِ خَرَجَ ولَمْ يُصَلِّهَا ولا غَيْرَهَا.
الشرح:
قوله (وإِنْ تَبَيَّنَ عَدَمُ الأُولَى أَوْ فَسَادُهَا أَجْزَأَتْ) هذا الذي اقتصر عَلَيْهِ هو الذي نسبه ابن رشد لسماع عيسي وسحنون عن ابن القاسم، وهذا عَلَى إجراء المتأخرين غير لائق بقوله أولاً: مفوضاً؛ فكأنه لَمْ يرتهن لذلك هنا، وقد أشبعنا الكلام عَلَيْهَا فِي موضوعنا عَلَى "المدوّنة" المسمى بـ: "تكميل التقييد وتحليل التقعيد" ومن الله سبحانه العون والتأييد.

متن الخليل:
وإِلا لَزَمَتْهُ كَمَنْ لَمْ يُصَلِّهَا وبِبَيْتِهِ يُتِمُّهَا.
الشرح:
قوله: (وإِلا لَزَمَتْهُ كَمَنْ لَمْ يُصَلِّهَا) من الواضح أن كلامه فيما يعاد، فلا ترد عَلَيْهِ المغرب ولا العشاء بعد الوتر.

متن الخليل:
وَبَطَلَتْ بِاقْتِدَاءٍ بِمَنْ بَانَ كَافِراً، أَوِ امْرَأَةً أَوْ خُنْثَى مُشْكِلاً،أَوْ مَجْنُوناً، أَوْ فَاسِقاً بِجَارِحَةٍ، أَوْ مَأْمُوماً أَوْ مُحْدِثاً إِنْ تَعَمَّدَ أَوْ عَلِمَ مُؤْتَمُّهُ، وبِعَاجِزٍ عَنْ رُكْنٍ أَوْ عَلِمَ، إِلا كَالْقَاعِدِ بِمِثْلِهِ فَجَائِزٌ، أَوْ بِأُمِّيٍّ إِنْ وَجِدَ قَارِئٌ أَوْ قَارِئٍ بِكَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَوْ عَبْدٍ فِي جُمُعَةٍ، أَوْ صَبِيٍّ فِي فَرْضٍ، وبِغَيْرِهِ تَصِحُّ وإِنْ لَمْ تَجُزْ، وهَلْ بِلَحْنٍ مُطْلَقاً أَوْ فِي الْفَاتِحَةِ، وبِغَيْرِ مُمَيِّزٍ بَيْنَ ضَادٍ وظَاءٍ خِلافٌ.
الشرح:
قوله: (أَوْ فَاسِقاً بِجَارِحَةٍ) جعله أسوأ حالاً من المبتدع الذي قال فيه: (وأعاد بوقت فِي كحروري)، وهذا عكس قول ابن يونس: الصواب الإعادة عَلَى من صلى خلف شارب خمرٍ؛ لأنه من أهل الذنوب، ولا يكون أسوأ حالاً من المبتدع، وقد اختلف فِي إعادة من صلى خلفه. انتهى. مَعَ أن أبا العباس القباب قال: أعدل المذاهب أنه لا يقدم فاسق للشفاعة والإمامة، ولكن لا إعادة عَلَى من صلى خلفه إن كان يتحفظ عَلَى أمور الصلاة، وهذا مرتضى التونسي واللخمي وابن يونس. انتهى.
وما كان ينبغي للمصنف أن يعدل عن المرتضى عند هؤلاء الأئمة إِلَى تشهير ابن بزيزة، وما ذكره فِي المبتدع صواب؛ إذ هو مذهب ابن القاسم فِي "المدوّنة"، وللمصنف أن يقول بالموجب فِي جعل الفاسق أسوأ حالاً من المبتدع بالاعتبار الذي أشار إليه ابن عبد السلام: أنّ فسق الاعتقاد لا ينفي لمن صدق الفاسق، ألا ترى أن كتب الصحاح فِي الحديث اشتملت عَلَى جواز التحديث عن جماعةٍ من هذا الصنف، وإنما اجتنب المحدثون الرواية عمن كان من هذا الجنس داعياً إِلَى مذهبه، ومن لَمْ يكن كذلك لَمْ يجتنبوا الرواية عنه، بخلاف فسق الجوارح.

متن الخليل:
وأَعَادَ بِوَقْتٍ فِي كَحَرُورِيٍّ، وكُرِهَ أَقْطَعُ، وأَشَلُّ وأَعْرَابِيٌّ لِغَيْرِهِ وإِنْ أَقْرَأَ وذُو سَلَسٍ وقُرُوحٍ، لِصَحِيحٍ، وإِمَامَةُ مَنْ يُكْرَهُ.
الشرح:
قوله (وأَعَادَ بِوَقْتٍ فِي كَحَرُورِيٍّ) دخل فِي قوله: (كَحَرُورِيٍّ) المعتزلي والقدري، ونحوهما ممن يشكل كونه كافراً، وخرج به المقطوع بكفره، ومثله المازري بالقائل: إنه سبحانه ليس بعالم ـ تعالى الله عن ذلك ـ وخرج به أَيْضاً المقطوع بعدم كفره كذي هوىً خفيف، فاشتمل كلامه عَلَى أحكام الأقسام الثلاثة التي ذكر ابن رشد فِي رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب فإن قلت: فقد قال ابن عبد السلام إن أكثر المتكلّمين عَلَى هذه المسألة، إنما فرضوا الكلام فِيهَا فِي مبتدع كانت بدعته فِي الصفات، وبنوها عَلَى التكفير بالمآل، فلا معنى لذكر الحرورية هنا؛ إذ هم قوم خرجوا عَلَى عليٍّ ـ رضي الله تعالى عنه ـ بحروراء نقموا عَلَيْهِ قضية التحكيم، وكفّروا الناس بالذنب، ولَمْ يظهر منهم حينئذ بدعة فِي الصفات البتة.
قلت: قد ردّه ابن عرفة برواية أبي محمد وابن حبيب عن مالك من ائتم بأحدٍ من أهل الأهواء أعاد أبداً إلاّ إماماً والياً أو خليفته عَلَى الصلاة؛ لأجل ائتمام ابن عمر بالحجّاج ونجدة الحروري.
وقال فِي "التوضيح": قد يجاب عنه بوجهين:
أحدهما: أن ما ارتكبت الحرورية من التكفير بالذنب من أعظم البدع.
والثاني: نقل ابن يونس عن مالك التسوية بين القدري والحروري فِي أنه لا يصلّي خلفهما، ثم ذكر الخلاف كما ذكر ابن الحاجب، فدلّ عَلَى أن الجميع سواء.

متن الخليل:
وَتَرَتُّبُ خَصِيٌّ، ومَأْبُونٍ، وأَغْلَفَ، وولد زِنًى أَوْ مَجْهُولِ حَالٍ، وعَبْدٍ بِفَرْضٍ.
الشرح:
قوله (وَتَرَتُّبُ خَصِيٌّ، ومَأْبُونٍ وَأَغْلَفَ، ووَلَدِ زِنًى أَوْ مَجْهُولِ حَالٍ، وعَبْدٍ بِفَرْضٍ) أمّا الخصي وولد الزنا والعبد فلا إشكال فيهم، وأما المأبون فكذا ذكره ابن بشير وأتباعه، كابن شاس والقرافي وابن الحاجب وشرّاحه، وأنكر ذلك ابن عرفة فقال: ونَقْل ابن بشير كراهة إمامة المأبون لا أعرفه، وهو أرذل الفاسقين. انتهى.
قلت: حمله ابن عرفة عَلَى أنه الذي يؤتى فِي دبره. وقد وقع فِي رسم الجواب من سماع عيسى أن أبا سلمة ابن عبد الأسد الذي كان زوج أم سلمة رأى رجلاً مأبوناً بين يديه فِي الصلاة فاتقى ذلك، فكيف بإمامته؟ فلا يكون غيره من الفسقة أسوأ حالاً منه. لكن الظاهر من كلام ابن بشير وأتباعه: أنهم لَمْ يريدوا هذا الفاسق الخبيث، فإن ابن بشير ذكر أولاً النقص المانع من الإجزاء وأدرج فيه الفسقة، ثم ذكر النقص المانع من الكمال، وذكر من جملته ما يحطّ المنزلة ويسرع إليه طعن الألسنة، وقال: ينخرط فِي هذا السلك كراهة الائتمام بالمأبون والأغلف.
وأبين منه لابن شاس إذ قال: ويكره أن يُتخذ ولد الزنا إماماً راتباً، وكذلك المأبون والأغلف، وقيل: بجواز اتخاذهم أئمة راتبين إِذَا كانوا صالحي الأحوال فِي أنفسهم سالمين من النقائص المتقدّمة، وكذا علل ابن عبد السلام كراهة ترتيب المأبون، ومن معه بأنهم تسرع إليهم الألسنة، وربما تعدى الأذى إِلَى من ائتم بهم، وفِي هذا كلّه دليل عَلَى أنهم لَمْ يريدوا الفاسق البيّن الفسق الذي فهم ابن عرفة؛ وإنما أرادوا من هو أخفّ شأناً من ذلك، فأما أن يكونوا أرادوا الذي كان موصوفاً بذلك، ثم تاب وحسنت توبته وبقيت الألسنة تتكلّم فيه مما مضى.
ولعلّ فِي هذا بعض الشبه بما حكى ابن حبيب عن مالك: لا يؤم قاتل عمد وإن تاب، وإنما يكونوا أرادوا به المتهم وهو أبين لمساعدته للغة العربية، وفِي البخاري: "ما كنا نأبنه بريبة " وفيه: "أَبَنُوا أهلي"، وعَلَى هذا حمله شيخ شيوخنا العلامة أبو عبد الله ابن مرزوق فِي كتاب " انتهاز الفرصة فِي محادثة عالم قفصة".
وزعم الشارمساحي أنه عند الفقهاء الضعيف العقل، وكأنه عَلَى هذا أخف شأناً من المعتوه فقد قال فِي سماع ابن القاسم: لا يؤم المعتوه الناس. قال سحنون: فإن أمّهم أعادوا.
قال ابن رشد: المعتوه الذاهب العقل. وقول سحنون تفسير؛ لأنه لا تصحّ منه نية فوجب أن يعيد أبداً من ائتم به، وأما الأغلف وهو الذي لَمْ يختتن فقال فِي سماع ابن القاسم: لا يؤم. قال سحنون: فإن فعل فلا إعادة عَلَى من ائتم به.
قال ابن رشد: قول سحنون تفسير، فلا يخرجه ترك الاختتان عن الإسلام، ولا يبلغ به مبلغ التفسيق، إلا أن ذلك نقصان فِي دينه وحاله؛ لأن الختان طهرة الإسلام وشعاره.
وأما المجهول الحال فروى ابن حبيب عن مُطرِّف وابن الماجشون وأصبغ وابن عبد الحكم: لا ينبغي أن يؤتم بمجهول إلا راتباً بمسجد.
وقال فِي "الزاهي": لا يؤتم بمجهول، هذا نقل ابن عرفة وزاد: إن كانت تولية المساجد لذي هوىً لا يقوم فِيهَا بموجب الترجيح الشرعي لَمْ يؤتم براتب فِيهَا إلا بعد الكشف عنه، وكذا كان يفعل من أدركته عالماً ديناً.

متن الخليل:
وصَلاةٌ بَيْنَ الأَسَاطِينِ، أَوْ أَمَامَ الإِمَامِ بِلا ضَرُورَةٍ، واقْتِدَاءُ مَنْ بِأَسْفَلِ السَّفِينَةِ بِمَنْ بِأَعْلاهَا، كَأَبِي قُبَيْسٍ وصَلاةُ رَجُلٍ بَيْنَ نِسَاءٍ وبِالْعَكْسِ، وإِمَامَةٌ فِي الْمَسْجِدِ بِلا رِدَاءٍ، وتَنَفُّلُهُ بِمِحْرَابِهِ.
الشرح:
قوله (واقْتِدَاءُ مَنْ بِأَسْفَلِ السَّفِينَةِ بِمَنْ بِأَعْلاهَا) كذا قال فِي "المدوّنة": ولا يعجبني أن يصلّي فوق وهم أسفل.
ابن يونس قال ابن حبيب: ويعيد الأسفلون فِي الوقت، وقيل: إنما ذلك لأن الأسفلين ربما لَمْ يتمكن لهم مراعاة فعل الإمام، وربما دارت السفينة فيختلط عليهم أمر صلاتهم، فليس ذلك كالدكان الذي يكون فيه مَعَ الإمام قوم وأسفل منه قوم، فافترقا قال أبو الحسن الصغير: يلزم هذا فِي العكس وقد جوّزه فِي الكتاب.

متن الخليل:
وإِعَادَةُ جَمَاعَةٍ بَعْدَ الرَّاتِبِ، وإِنْ أَذِنَ، ولَهُ الْجَمْعُ إِنْ جَمَعَ غَيْرُهُ قَبْلَهُ، إِنْ لَمْ يُؤَخِّرْ كَثِيراً.
الشرح:
قوله (وإِعَادَةُ جَمَاعَةٍ بَعْدَ الرَّاتِبِ، وإِنْ أَذِنَ) احترز بالجماعة من الفذ، فإنه لا يكره له أن يصلّي صلاة فِي المسجد قبل أن يصليها أمامه أو بعد ما صلّاها، ما لَمْ يعلم تعمده مخالفة الإمام بتقدّم أو تأخر فيمنع، قاله اللخمي: وظاهر قوله بعد الراتب أن الصلاة إن لَمْ يكن لها فِي المسجد إمام راتب فلا كراهة فِي جمعها فيه مرتين، وإن كان لغيرها من الصلوات فيه إمام راتب، وهذا خلاف رواية ابن القاسم؛ لكنه رواية أشهب، واختاره اللخمي والمازري وابن عبد السلام، واعتمد فِي قوله: "وإن أذن" عَلَى ما عند سند، وهو خلاف ما قطع به اللخمي وهذا ينبنى عَلَى وجه الكراهة فقيل: لتفريق الجماعات فتعمّ الكراهة، وقيل: لئلا يتطرقّ أهل البدع بالتأخير ثم يجمعوا مَعَ إمامهم، فيجوز إِذَا علمت البراءة من ذلك، وقيل لحقّ الإمام فيجوز إِذَا أذن.
ودلّ قوله: "الراتب" أن هذا فِي مسجد أو ما يقوم مقامه كالسفينة وغيرها، وقد نصّ عَلَى السفينة فِي رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب.
قال ابن رشد: وليس بخلاف لما أجاز فِي "المدوّنة" أن يصلي الذين فوق سقفها بإمام، والذين تحته بإمام؛ لأنهما موضعان. وفِي الذخيرة: قال صاحب "الطراز": يتنزل المكان الذي جرت العادة بالجمع فيه وإن لَمْ يكن مسجداً منزلة المسجد، وقاله مالك فِي "العتبية".

متن الخليل:
وَأُخْرِجُوا، إِلا بِالْمَسَاجِدِ الثَّلاثَةِ، فَيُصَلُّونَ بِهَا أَفْذَاذاً، إِنْ دَخَلُوهَا. وقَتْلُ كَبَرْغُوثٍ بِمَسْجِدٍ، وفِيهَا يَجُوزُ طَرْحُهَا خَارِجَهُ، واسْتُشْكِلَ، وجَازَ اقْتِدَاءٌ بِأَعْمَى، ومُخَالِفٍ فِي الْفُرُوعِ وأَلْكَنَ، ومَحْدُودٍ، وعِنِّينٍ، ومَجْذُومٍ، إِلا أَنْ يَشْتَدَّ، فَلْيُنَحَّ وَصَبِيٍّ بِمِثْلِهِ.
الشرح:
قوله (وَأُخْرِجُوا، إِلا بِالْمَسَاجِدِ الثَّلاثَةِ، فَيُصَلُّونَ بِهَا أَفْذَاذاً، إِنْ دَخَلُوهَا) مفهوم الشرط أنهم إن لَمْ يدخلوها جمعوا فِي غيرها، وهذا مقصود من المصنف اعتماداً عَلَى قول عياض فِي "التنبيهات"، قال شيوخنا معناه: لمن قد دخل هذه المساجد لا لمن لَمْ يدخلها، وكذا جاء مفسراً فِي "العتبية" فِي سماع أشهب وابن نافع. قال مالك: من لَمْ يبلغ مسجد الرسول عَلَيْهِ السلام حتى صلى أهله أنه يجمع تلك الصلاة فِي غيرها. وهو ظاهر "المدوّنة"؛ لأنه إنما تكلّم عَلَى من دخل. انتهى. ونسب ابن رشد نحو هذا لابن لبابة، وردّه بأن صلاة الفذّ هناك إن كانت أفضل ترجّحت مُطْلَقاً، وإلاّ فالعكس.

متن الخليل:
وعَدَمُ إِلْصَاقِ مَنْ عَلَى يَمِينِ إِمَامٍ أَوْ يَسَارِهِ بِمَنْ حَذْوَهُ.
الشرح:
قوله (وَعَدَمُ إِلْصَاقِ مَنْ عَلَى يَمِينِ إِمَامٍ أَوْ يَسَارِهِ بِمَنْ حَذْوَهُ) أشار بهذا لقوله فِي "المدوّنة": وإن كانت طائفة عن يمين الإمام أو حذوه فِي الصف الثاني أو الأول فلا بأس أن تقف طائفة عن يسار الإمام فِي الصفّ ولا تلصق بالطائفة التي عن يمينه. وقد تعقبها أبو إسحاق التونسي بأن ذلك تقطيع للصفوف، وحمل ذلك ابن رشد فِي رسم شك من سماع ابن القاسم عَلَى أنه بعد الوقوع، ويكره ابتداءً.
وقال قبله فِي "المدوّنة": ومن دخل المسجد وقد قامت الصفوف قام حيث شاء خلف الإمام أو عن يمينه أو عن يساره، وتعجّب مالك ممن قال يمشي حتى يقف حذو الإمام.
وقال اللخمي: يبتدأ الصفّ من وراء الإمام ثم عن يمينه وشماله حتى يتمّ الصف، ولا يبتدأ بالثاني قبل تمام الأول ولا بالثالث قبل تمام الثاني، وهو الذي يقتضيه قول مالك فِي كتاب ابن حبيب، وهو أحسن مما له في "المدوّنة"؛ لقوله عَلَيْهِ السلام: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها» ثم قال: «يتمون الصفّ الأول ويتراصون» أخرجه مسلم.
واختار المازري نحو هذا، وقال: ليس ما تعجّب منه مالك فِي "المدوّنة" ردٌّ لما اخترناه فِي الصفّ الأول؛ لأنه إنما تكلّم فِي "المدوّنة" عَلَى رجلٍ وحده جاء وقد كملت الصفوف.
فرع:
فِي رسم طلق ابن حبيب من سماع ابن القاسم قال مالك: أوّل من أحدث المقصورة مروان بن الحكم حين طعنه اليماني؛ فجعل مقصورة من طين وجعل فِيهَا تشبيكاً.
قال ابن رشد: اتخاذها فِي الجوامع مكروه، فإن كانت ممنوعة تفتح أحياناً وتغلق أحياناً فالصفّ الأول هو الخارج عنها اللاصق بها، وإن كانت مباحة غير ممنوعة فالصفّ الأول هو اللاحق بجدار القبلة فِي داخلها، روي ذلك عن مالك. انتهى.
ابن عرفة: رواه ابن وهب بزيادة: لا بأس بالصلاة فِيهَا. ونقل بعض معاصري شيوخنا أنه الموالي للإمام مُطْلَقاً أنكر عَلَيْهِ وبحث عنه فلم يوجد. انتهى.
وفي "النوادر" قال ابن وهب عن مالك: لا بأس بالصلاة فِي المقصورة.
و قال أبو الحسن الصغير: انظر ما حجر من المسجد نفسه هل تصلى فيه الجمعة مثل المقصورة، وقد كان القاسم بن محمد وعروة بن الزبير وابن شهاب يصلّون فِيهَا، واحتجّ لهم بقوله تعالى: {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج: 25]؛ لأن حقّ الناس فِي المسجد جميعاً؛ فليس لأحدٍ أن يختصّ بشئ منه دون غيره.

متن الخليل:
وَصَلاةُ مُنْفَرِدٍ خَلْفَ صَفٍّ، ولا يَجْذِبُ أَحَداً، وهُوَخَطَأٌ مِنْهُمَا، وإِسْرَاعٌ لَهَا بِلا خَبَبٍ، وقَتْلُ عَقْرَبٍ أَوْ فَأْرٍ بِمَسْجِدٍ.
الشرح:
قوله: (وصَلاةُ مُنْفَرِدٍ خَلْفَ صَفٍّ، ولا يَجْذِبُ أَحَداً) كذا فِي "المدوّنة"، وفِي قوله: (ولا يَجْذِبُ أَحَداً) دليل عَلَى أنه لَمْ يجد موضعاً فِي الصفّ كما صرّح به فِي "التلقين". وفِي معناه ما فِي رسم شكّ من سماع ابن القاسم فيمن قعد للتشهد فضاق به الصفّ: لا بأس أن يتأخر عنه أو يتقدم، وقد رأيت بعض أهل العلم يفعله. وأما من خرج من الصفّ بلا عذر فقال ابن رشد: قال ابن حبيب: قد أساء ولا إعادة عَلَيْهِ.
وروى ابن وهب عن مالك: عَلَيْهِ الإعادة لقوله - عليه السلام - لأبي بكرة «زادك الله حرصاً ولا تعد» أي للركوع دون الصفّ، والأظهر: للتأخر حتى تأتي وقد حفزك النفس. إذ لَمْ يأمره - عليه السلام - بإعادتها. وطريقة ابن عبد السلام أنّ عدم جبذ المنفرد أحداً مبنيٌ عَلَى المشهور من صحة صلاته، وأما عَلَى القول بالبطلان فيجذبه لئلا تبطل كقول المخالف، وتبعه فِي "التوضيح"، وذلك يقوي أنه مراده هنا، وما قدمناه أبين وأسعد بالنقول. والله سبحانه أعلم.

متن الخليل:
وَإِحْضَارُ صَبِيٍّ بِهِ لا يَعْبَثُ ويَكُفُّ إِذَا نُهِيَ.
الشرح:
قوله (وَإِحْضَارُ صَبِيٍّ بِهِ لا يَعْبَثُ ويكفّ إِذَا نُهي) كذا فِي "المدوّنة"، وجملة لا يعبث صفة لصبيٍ لا حال؛ لأنه نكرة.

متن الخليل:
وَبَصْقٌ بِهِ إِنْ حُصِّبَ، أَوْ تَحْتَ حَصِيرِهِ، ثُمَّ تَحْتَ قَدَمِهِ ثُمَّ يَسَارِهِ، ثُمَّ يَمِينِهِ، ثُمَّ أَمَامَهُ. وخُرُوجُ مُتَجَالَّةٍ لِعِيدٍ، واسْتِسْقَاءٍ، وشَابَّةٍ لِمَسْجِدٍ ولا يُقْضَى عَلَى زَوْجِهَا بِهِ، واقْتِدَاءُ ذَوِي سُفُنٍ بِإِمَامٍ، وفَصْلُ مَأْمُومٍ بِنَهَرٍ صَغِيرٍ أَوْ طَرِيقٍ.
الشرح:
قوله: (وبَصْقٌ بِهِ إِنْ حُصِّبَ، أَوْ تَحْتَ حَصِيرِهِ، ثُمَّ تَحْتَ قَدَمِهِ ثُمَّ يَسَارِهِ، ثُمَّ يَمِينِهِ، ثُمَّ أَمَامَهُ) ينبغي أن يقرأ بجرّ قدمه عطفاً عَلَى حصيرة، ونصب يمينه وأمامه عطفاً عَلَى تحت، وفِي عبارته قلق.

متن الخليل:
وعُلُوِّ مَأْمُومٍ، ولَوْ بِسَطْحٍ لا عَكْسَهُ.
الشرح:
قوله (وعُلُوِّ مَأْمُومٍ، ولَوْ بِسَطْحٍ لا عَكْسَهُ) أي: فلا يجوز يريد إلا لتعليم كصلاته - صلى الله عليه وسلم - عَلَى المنبر، قاله عياض وقبله ابن عرفة، وفِي البخاري أن أحمد بن حنبل احتجّ به عَلَى الجواز مُطْلَقاً.

متن الخليل:
وبَطَلَتْ بِقَصْدِ إِمَامٍ ومَأْمُومٍ بِهِ الْكِبْرُ.
الشرح:
قوله: (وبَطَلَتْ بِقَصْدِ إِمَامٍ ومَأْمُومٍ بِهِ الْكِبْرُ) هكذا فِي بعض النسخ بباء السببية لا بكاف التشبيه، وذلك أمثل أي: وبطلت الصلاة بسبب قصد الإمام والمأموم بالعلو الكبر، كأنه تكلّم أولاً فيما إِذَا سلما من قصد الكبر، فنّوعه إِلَى جائز وممنوع قائلاً: (وَعُلُوِّ مَأْمُومٍ، ولَوْ بِسَطْحٍ لا عَكْسَهُ)، ثم تكلّم ثانياً فِي قصدهما الكبر، فقطع بالبطلان فيهما، وذلك مستلزم لعدم جوازهما، وهذا الذي سلك تمكن تمشيته مَعَ بعض النقول.
فأما ما ذكره فِي الإمام فإليه ذهب أبو إسحاق التونسي فقال: إنما تجب الإعادة عَلَيْهِ وعليهم إِذَا فعل ذلك عَلَى وجه الكبر، وأما لو ابتدأ يصلي لنفسه عَلَى دكان، فجاء رجل فصلى أسفل منه لجازت صلاتهما؛ لأن الإمام هنا لَمْ يقصد الكبر، وكذا إِذَا فعلوا ذلك للضيق. انتهى، ونحوه للخمي فِي الذي ابتدأها وحده، وكذا حكى ابن يونس فِي الضيق عن سحنون ويحيي بن عمر قال: وأخذه فضل من قوله فِي "المدوّنة": لأنهم يعبثون.
وأما ما ذكره فِي المأموم فقد حكى عبد الحقّ فِي "التهذيب" أن بعض شيوخه نحى إِلَى أن المأمومين لو قصدوا الكبر بعلوهم لأعادوا، لعبثهم. انتهى. إلاّ أنّ المأموم إِذَا لَمْ يقصد الكبر متفق عَلَى عدم بطلان صلاته، والإمام إِذَا لَمْ يقصده مختلفٌ فيه فقيل: بعدم البطلان كما تقدّم، وهو مفهوم كلام المصنف عَلَى النسخة التي اخترناها.
وقيل: بالبطلان؛ حمايةً للذرائع، وأخذاً بعموم النهي فِي الحديث، وهو ما فِي مسند ابن سحنون أن حذيفة بن اليمان قام يصلّي عَلَى دكان فجذبه سلمان فقال: ما أدري أطال العهد أم نسيت؟ أما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يصلي الإمام عَلَى شئ أنشذ مما عَلَيْهِ أصحابه» قال ابن بشير: وكأنه - عليه السلام - أشار إِلَى ما أحدثه بنو أميّة، وكانوا يتخذون لأنفسهم مواضع مرتفعة يعلون بها عَلَى الناس فِي الإمامة تكبّراً منهم.

متن الخليل:
إِلا بِكَشِبْرٍ، وهَلْ يَجُوزُ إِنْ كَانَ مَعَ الإِمَامِ طَائِفَةٌ كَغَيْرِهِمْ؟ تَرَدُّدٌ، ومُسَمِّعٌ واقْتِدَاءٌ بِهِ، أَوْ بِرُؤْيَةٍ، وإِنْ بِدَارٍ.
الشرح:
قوله: (إِلا بِكَشِبْرٍ) هذا مثتثنى من قوله: (لا عكسه)، وهو تفسير لليسير الذي فِي "المدوّنة".
قال ابن عبد السلام: لأن المقصود منه ظهور أفعال الإمام للمأمومين ليقتدوا به كصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - عَلَى المنبر. انتهى.
وعن ابن عرفة: أنه كان يطيل ذيل سجادة المحراب حتى يشاركه الناس فِيهَا.

متن الخليل:
وشَرْطُ الاقْتِدَاءِ نِيَّةٌ، بِخِلافِ الإِمَامِ ولَوْ بِجَنَازَةٍ.
الشرح:
قوله: (وشَرْطُ الاقْتِدَاءِ نِيَّةٌ) قال ابن عبد السلام: كان بعض أشياخ شيوخنا يقول هذا الشرط لابد منه، ولكنه لا يلزم التعرض إليه بما يدل عَلَيْهِ مطابقة؛ إذ هناك ما يدل عَلَيْهِ التزاماً كانتظار المأموم إمامه بالإحرام، ولو سئل حينئذ عن سبب الانتظار لأجاب بأنه مأموم. وما قاله ظاهر. انتهى.
قال القباب: وهذا واضح وكلام المازري نص أو كالنصّ فِي ذلك؛ لأنه قال إِذَا قارنت الأفعال الأفعال بقصد ذلك وتعمدٍ له فهذا معنى النية، ولابد من افتتاح الصلاة بها لئلا يمضي جزء من الصلاة لَمْ تقصد فيه المتابعة، ولقد قال بعض الناس فِي معارضة ذلك: إن النية من باب القصد والإرادات لا من باب الشعور والإدراكات، وهذا الذي قاله لا معارضة فيه بوجهٍ ؛ لأن من جاء إِلَى المسجد بقصد الصلاة، وقعد فِي المسجد ينتظر الإمام لا يقال فيما فعل: إنه شعر بمجيئه إِلَى المسجد ولم يقصده، أو أشعر بانتظاره الإمام ولم يرده، بل قصد المسجد للائتمام وانتظر الإمام بقصد، وقام للصلاة وتهيأ للدخول فِيهَا وبقي ينتظر الإمام، كل ذلك بإرادة وقصد.

متن الخليل:
إِلا جُمُعَةً وجَمْعاً، وَخَوْفاً ومُسْتَخْلَفاً.
الشرح:
قوله: (إِلا جُمُعَةً وجَمْعاً وخَوْفاً ومُسْتَخْلَفاً) مراده بالجمع: الجمع ليلة المطر لا كلّ جمع، وعند ابن عرفة فِي الاستخلاف نظر؛ لأن المستخلف كمؤتم به ابتداءاً لصحة صلاتهم أفذإِذَا، ونحوه للقبّاب إذ قال: هذا عَلَى القول بأنه لا يجوز لهم إن يُتمّوا أفذاذَا، وهو قول ابن عبد الجكم. انتهى. وتمام البحث فيه فِي: "تكميل التقييد وتحليل التعقيد" الذي وضعناه عَلَى "المدوّنة".

متن الخليل:
كَفَضْلِ الْجَمَاعَةِ، واخْتَارَ فِي الأَخِيرِ خِلافَ الأَكْثَرِ.
الشرح:
قوله: (كَفَضْلِ الْجَمَاعَةِ) ابن عرفة يلزم عَلَيْهِ إعادة من ائتم به غيره ولَمْ ينو الإمامة فِي جماعة. انتهى. ونحوه لابن عبد السلام.

متن الخليل:
ومُسَاوَاةٌ فِي الصَّلاةِ، وإِنْ بِأَدَاءٍ وقَضَاءٍ، أَوْ بِظُهْرَيْنِ مِنْ يَوْمَيْنِ، إِلا نَفْلاً خَلْفَ فَرْضٍ ولا يَنْتَقِلُ مُنْفَرِدٌ لِجَمَاعَةٍ كَالْعَكْسِ، وفِي مَرِيضٍ اقْتَدَى بِمِثْلِهِ فَصَحَّ قَوْلانِ.
الشرح:
قوله: (إلا نفلاً خلف فرض) ابن عرفة: عَلَى جواز النفل بأربع أو فِي سفر.

متن الخليل:
ومُتَابَعَةٌ فِي إِحْرَامٍ وسَلامٍ فَالْمُسَاوَاةُ وإِنْ بِشَكٍّ فِي الْمَأْمُومِيَّةِ مُبْطَلَةٌ.
الشرح:
قوله: (فَالْمُسَاوَاةُ وإِنْ بِشَكٍّ فِي الْمَأْمُومِيَّةِ. مُبْطَلَةٌ) الشك فِي المأمومية قد يكون من أحدهما كما علمت، وقد يكون منهما كما فرض سحنون فِي رجلين ائتم أحدهما بالآخر، فشكّا فِي تشهدهما فِي الإمام منهما، فإن سلّما معاً فعلى الخلاف فِي المساواة، إلا أن المصنف اقتصر هنا عَلَى القول بالبطلان، وإن تعاقبا صحت للثاني فقط، ولو كان أحدهما مسافراً سلّم المسافر، وأعاد وأتمّ الآخر ولا يعيد، ولو نوى كلّ من المصليين عند الإحرام إمامة الآخر صحّت صلاتهما فذين، ولو نوى كل واحد منهما حينئذ أن يأتمّ بالآخر بطلت صلاتهما معاً.

متن الخليل:
لا الْمُسَاوَقَةُ كَغَيْرِهِمَا لَكِنْ سَبْقُهُ مَمْنُوعٌ، وإِلا كُرِهَ.
الشرح:
قوله (لا الْمُسَاوَقَةُ كَغَيْرِهِمَا) عبارة فِيهَا قلق؛ ولذلك ذكر لي عن بعض أصحابنا أنه قال: لعل صوابه كالمسابقة لا غيرهما، فتصحفت الكاف بلا، ولا بالكاف، والباء بالواو، فتأمله.

متن الخليل:
وأُمِرَ الرَّافِعُ بِعَوْدِهِ إِنْ عَلِمَ إِدْرَاكَهُ قَبْلَ رَفْعِهِ، لا إِنْ خَفَضَ، ونُدِبَ تَقْدِيمُ سُلْطَانٍ ثُمَّ رَبِّ مَنْزِلٍ والْمُسْتَأْجِرِ عَلَى الْمَالِكِ وإِنْ عَبْداً كَامْرَأَةٍ، واسْتَخْلَفَتْ، ثُمَّ زَائِدِ فِقْهٍ، ثُمَّ حَدِيثٍ، ثُمَّ قِرَاءَةٍ، ثُمَّ عِبَادَةٍ، ثُمَّ بِسِنِّ إِسْلامٍ، ثُمَّ بِنَسَبٍ، ثَّم بِخَلْقٍ، ثُمَّ بِلِبَاسٍ إِنْ عَدِمَ نَقْصَ مَنْعٍ أَوْ كُرْهٍ، واسْتِنَابَةُ النَّاقِصِ كَوُقُوفِ ذَكَرٍ عَنْ يَمِينِهِ، واثْنَيْنِ خَلْفَهُ. وصَبِيٌّ عَقَلَ الْقُرْبَةَ كَالْبَالِغِ ونِسَاءٌ خَلْفَ الْجَمِيعِ، ورَبُّ الدَّابَّةِ أَوْلَى بِمُقَدِّمِهَا.
الشرح:
قوله (وأُمِرَ الرَّافِعُ بِعَوْدِهِ إِنْ عَلِمَ إِدْرَاكَهُ قَبْلَ رَفْعِهِ، لا إِنْ خَفَضَ) الذي ظهر لي من نقولهم أنّه إن علم إدراك الإمام فيما فارقه منه استوى فِي ذلك الرافع والخافض فِي الأمر بالعود، ولَمْ تختلف الطرق فِي هذا، وإنما اختلفت طريقة الباجي وابن رشد واللخمي فيما إِذَا لَمْ يعلم إدراكه، بخلاف ما تعطيه عبارة المصنف، وقد أشبعنا الكلام فِي ذلك فِي: "تكميل التقييد وتحليل التعقيد" فقف عَلَيْهِ. وبالله تعالى التوفيق.

متن الخليل:
والأَوْرَعُ، والْعَدْلُ والْحُرُّ والأَبُ، والْعَمُّ عَلَى غَيْرِهِمْ.
الشرح:
قوله: (والأَوْرَعُ، والْعَدْلُ والْحُرُّ والأَبُ، والْعَمُّ عَلَى غَيْرِهِمْ).
لعلّ مراده بالعدل: الأعدل؛ لأنه قطع قبل ببطلان صلاة من ائتمّ بفاسق.

متن الخليل:
ورَكَعَ مَنْ خَشِيَ فَوَاتَ رَكْعَةٍ دُونَ الصَّفِّ، إِنْ ظَنَّ إِدْرَاكَهُ قَبْلَ الرَّفْعِ وإِنْ تَشَاحَّ مُتَسَاوُونَ لا لِكِبْرٍ اقْتَرَعُوا، وكَبَّرَ الْمَسْبُوقُ لِرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ بِلا تَأْخِيرٍ لا لِجُلُوسٍ، وقَامَ بِتَكْبِيرٍ إِنْ جَلَسَ فِي ثَانِيَةٍ، إِلا مُدْرِكَ التَّشَهُّدِ، وقَضَى الْقَوْلَ وبَنَى الْفِعْلَ.
الشرح:
قوله: (وَرَكَعَ مَنْ خَشِيَ فَوَاتَ رَكْعَةٍ دُونَ الصَّفِّ، إِنْ ظَنَّ إِدْرَاكَهُ قَبْلَ الرَّفْعِ) الظاهر أن ضمير (إِدْرَاكَهُ) يعود عَلَى الصفّ، فهو كقوله فِي "المدوّنة": وحيث يطمع إِذَا دبّ راكعاً وصل إليه. ومفهومه إن لَمْ يظن ذلك تمادى إِلَى الصفّ وإن فاتته الركعة وهذا قول مالك واختاره ابن رشد، وأمّا قوله فِي "المدوّنة": وإن لَمْ يرج ذلك أحرم مكانه فهو لابن القاسم، واختاره أبو اسحاق التونسي وبسطه فِي رسم اغتسل من سماع ابن القاسم.

متن الخليل:
يَدِبُّ كَالصَّفَّيْنِ لآخِرِ فُرْجَةٍ.
الشرح:
قوله: (يَدِبُّ كَالصَّفَّيْنِ لآخِرِ فُرْجَةٍ) سماها آخر بالنسبة لجهة الداخل لا لجهة الإمام.

متن الخليل:
قَائِماً، أَوْ رَاكِعاً، لا سَاجِداً، أَوْ جَالِساً. وَإِنْ شَكَّ فِي الإِدْرَاكِ أَلْغَاهَا، وإِنْ كَبَّرَ لِرُكُوعٍ، ونَوَى بِهَا الْعَقْدَ، أَوْ نَوَاهُمَا، أَوْ لَمْ يَنْوِهِمَا، أَجْزَأَهُ، وإِنْ لَمْ يَنْوِهِ نَاسِياً لَهُ تَمَادَى الْمَأْمُومُ فَقَطْ. وفِي تَكْبِيرِ السُّجُودِ تَرَدُّدٌ، وإِنْ لَمْ يُكَبِّرِ اسْتَأْنَفَ.
الشرح:
قوله: (قَائِماً، أَوْ رَاكِعاً) خلاف ما دلّ عَلَيْهِ قوله قبله: (إن ظنّ إدراكه قبل الرفع) من أنّ دبيبه لا يتصور إلاّ فِي الركوع، إلاّ أن يريد أنه إن خاب ظنه دبّ قائماً. فتدبره، وقد استوفينا ما فيه من الخلاف فِي "تكميل التقييد".